سهيلة عبد الباعث الترجمان
503
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
من صور العالم ومعانيه ، ولأنه محل نظر الحق ومنصّة تجليه ومهبط أمره ومتنزل تدليه " « 1 » . والمعرفة القلبية كما يراها أصدق المعارف وأقواها على الثبات لعدم وقوع الشّبه والالتباس فيها ، إذ أن القلب مركز تلقّي النفحات الإلهية فيقول : " كل من آمن بدليل فلا وثوق بإيمانه لأنه نظري ، فهو معرّض للقوادح ، بخلاف الإيمان الضروري الذي يوجد في القلب ولا يمكن دفعه ، وكل علم حصل عن نظر وفكر لا يسلم عن دخول الشبّه عليه ولا الحيرة فيه " « 2 » وهذا ما أشار إليه ابن عربي في رده على الحكيم الترمذي مبينا دور القلب في نيل المعرفة فقال : " إعلم أنه ما ثمّ دليل يردّ طريق القوم ولا قادح يقدح فيها شرعا ولا عقلا ، وإنما يردّها من ردّها بالجهل بها ، فإن طريق القوم لا تنال بالنظر الفكري وإنما هي نور في القلب يحدث فيه باتباع الكتاب والسنّة ، فتدرك الأمور يقينا لا ظنا ولا تخمينا " « 3 » ويتفق في هذا مع الغزالي الذي يجعل القلب مركز العلم الذوقي حيث ورد في " جواهر الفقه " له فقال " وأما علم القلب فهو ذوقي ووجداني لا يخضع تحت ألسنة الأقلام ولا تحيط به الدفاتر والأوهام ، وهو في مقابلة العلم الظاهر بمنزلة الثمر للشجر ، فالشرف للشجرة لكن الانتفاع بالثمرة . كما أنه يتفق معه في تقسيمه للعلوم إذ جعلها على ثلاث مراتب : الأولى علم العقل ، والثانية علم الأحوال . . . ولا سبيل له إلّا بالذوق ، والثالثة علم الأسرار وهو فوق طور العقل ، وهو علم نفث روح القدس في الرّوع ، ويختص بها النّبيّ والوليّ ، والعالم به يعلم العلوم كلها ويستغرقها ، وليس أصحاب تلك العلوم كذلك " « 4 » . ولهذا اعتبر ابن عربي أن الحق هو المعلّم لكل علم وذلك بخلو القلب عن الفكر والاستعداد لقبول الواردات عن أمر إلهي
--> ( 1 ) ابن عربي ، العجالة ، رواية عن تلميذه صدر الدين القونوي ، راجعه عبد الرحمن حسن محمود ، مكتبة عالم الفكر ، القاهرة ، ( دون تاريخ ) ، ص 12 . ( 2 ) ابن العماد ، شذرات الذهب ، مصدر سابق ، ص 198 . ( 3 ) الأبياري ، سعود المطالع فيما تضمنه الإلغاز في العلوم اللوامع ، الجزء الثاني ، مصر ، ص . ص 236 - 237 . ( 4 ) المصدر السابق ، ص . ص 236 - 237 .